محمد أبو زهرة

3770

زهرة التفاسير

قال تعالى في بيان ما يصلح الأمة : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) [ آل عمران ] ، إن الجماعة إذا كان فيها من يدعو إلى الخير ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر جعلها فضلاؤها ، كلها فاضلة ، ولقد بين سبحانه وتعالى أن سبب فساد السابقين الذين أصابهم اللّه تعالى بالهلاك هو أن أهل الفضل لم يدعو إليه ولو أنهم دعوا ما استجابوا لهم ، فقال : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ ، بَقِيَّةٍ معناها العقل والفضل ، والخلق المستقيم ، و ( لولا ) إما أن نقول إنها شرطية حرف امتناع لوجود ، وجوابها محذوف تقديره مثلا لاستقامت أمورهم ولاستجابوا لدعوة الحق إذا دعوا إليها . أو نقول إن ( لولا ) بمعنى ( هلا ) للتحريض على أن يكون منهم فضلاء لنجاتهم ، ولكن كيف يقال إن ثمة تحريضا ، وقد مضوا بما كان منهم ، والتحريض للحاضرين لا للغابرين ، والجواب عن ذلك أن القصة الصادقة تصورهم حاضرين ويكون التحريض لهم على التصوير ، وللقائمين ليتعظوا ويعتبروا . وإطلاق كلمة البقية على الفضل إطلاق في اللغة العربية حلله الزمخشري بقوله رضى اللّه عنه : أُولُوا بَقِيَّةٍ أولو فضل وخير ، وسمى الفضل ، والجودة بقية ؛ لأن الرجل يستبقى مما يخرجه أجوده وأفضله ، فصار مثلا ، في الجودة والفضل ، ويقال فلان من بقية القوم ، أي من خيارهم ، وبه فسر بيت الحماسة : « أن تزينوا ثم يأتيني بقيتكم . . . . ومن قولهم في الزوايا حنايا ، وفي الرجال بقايا » .